علي بن أحمد المهائمي

501

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

والولاية ، فقال : ( وأما تليين الحديد ) ، فإنما كان نعمة على آل داود عليه السّلام حتى طولبوا بالشكر عليها باعتبار ما يشير هذا التليين في حقهم في أمر بدايتهم ونهايتهم . ( فقلوب قاسية ) أي : فالحديد في حقّهم إشارة إلى قلوبهم القاسية نوع قسوة تقبل معها التليين ، وتليين الحديد إشارة إلى تليين القلوب لقبول الكمالات العلوية ، ولا بدّ منه في الابتداء لتتأثر بما يصدر من معدن النبوة والولاية من الآثار الروحانية ( تلينها الزجر ) عن الأمور التي قست عليها ، فاتصفت بالرذائل ، وتخلقت بها ، ( والوعيد ) المؤكد له في حقّ العامة ( تليين النار الحديد ) ؛ لإشعالهما نار الخوف والحزن فيها ، فأثرت هذه النار فيها إذا كانت في القساوة كالحديد قابلة للتليين لا كالحجارة أو أشد منها ، وإليه الإشارة بقوله : ( وإنما الصعب قلوب ) أي : المتعذر تليين قلوب هي ( أشد قساوة من الحجارة ) ، فإنها لا تلين بالزجر والوعيد ، كما لا تلين الحجارة بالنار ، وإن كانت النار تؤثر فيها بوجه آخر . ( فإن الحجارة تكسرها ، وتكلسها النار ، ولا تلينها ) ، فكذا قلوب المنافقين لم تتأثر بالزجر والوعيد الأخروي ، وقد تأثرت من خوف الأمر الدنيوي ، والتي كانت أشد منها وهي قلوب الكفار ، ولم تتأثر بالتكسر والتكلس أيضا فضلا عن التليين ، فهذه هي الفائدة في البداية ، وأما الفائدة في النهاية ، فهي المشار إليها بقوله : ( وما ألان له الحديد إلا لعمل الدروع الواقية ) عن وصول الحديد المتصور بصورة الأسلحة ؛ ( تنبيها ) لآله ( من اللّه ) الذي هو الجامع بين الرحمة والانتقام ، وسائر الأسماء المتضادة أي : لا يتقي الشيء إلا بنفسه ؛ ليعلموا أنه لا يتقي اللّه إلا باللّه . ( فإن الدروع يتقى بها السنان ، والسيف ، والسكين ، والنصل ) ، ( فاتقيت ) في جميع هذه الصور المفيدة للاستقراء التام ( الحديد بالحديد ) ، فلا يضرنا فوات صورة تليين الحديد عند حصول تليين القلوب مع التصريح بالمقصود من هذا التليين ، ( فجاء الشرع المحمدي أعوذ بك منك ) ، وهو أصرح في اتقاء اللّه باللّه ، وهذا التعوذ به منه ( روح تليين الحديد ) لا يضرنا فوات صورته عند حصوله لنا أكمل مما حصل لهم ، وقد حصل هذا التليين لأكثر القلوب من هذه الأمة ، وهو المقصود من إظهار المعجزات والكرامات ، سيما إذا كان المقصد الأقصى يحصل لنا أكمل مما حصل لهم ، وإذا كان هو المقصود منه ؛ ( فهو المنتقم الرحيم ) ، وكما اجتمعت الصفتان فيه فلا يبعد اجتماعهما في عذابه ، كما لا يبعد اجتماعهما فيما أنعم به على الكفار في الدنيا ، ( واللّه الموفق ) لاستخراج هذه الأسرار ، والتحقق بهذا المقام . ولما فرغ عن بيان الحكمة الوجودية المشتملة على بيان الكمالات الوجودية التي لا تتم إلا عند كمال النفس الإنسانية باكتسابها من الروح والبدن جميعا عقبها بالحكمة النفسية ؛ فقال :